عماد الدين الكاتب الأصبهاني
61
خريدة القصر وجريدة العصر
محمد بن عيسى اليمانيّ « 1 » ورد بغداد في سنة خمسين وخمسمائة ، وكان قد أصعد من واسط ، وهو فاضل مهندس ، لكن له طبع شرس ، نفيس النّفس ، مصيب الحدس ، نزل في دار طبيب نصرانيّ من بني تومة ، ولم يبرح من ذلك المنزل ولن يريمه ، وكان لعلّة في ضيافة الطبيب ، وهو يحلّ عليه إقليدس على الترتيب ، وكان يضنّ به غاية الضنّة ، ويتقلّد لمن يجعل له إليه طريقا قلائد المنّة ، وكنت حينئذ مولعا بإقليدس وحلّ أشكاله ، وفهم ما يعرض من شكوكه « 2 » وإشكاله ، فتوصّلت إلى أن بلغت إليه ، وحللت مقالات عليه ، فلما رأيته نافر الطبع بالكلّية ، أكّدت مفارقته بالأليّة ، ورأيته يدّعي علوما ، ويدعو « 3 » لنفسه أمرا عظيما ، من علم المجسطيّ وهيئات الفلك ، والمنطق الذي من شم سمّه هلك ، وكان يقول بفارس ، إنسان في هذا العلم فارس ، وأنا لا بدّ لي من قصده ، واستيراء زنده ، وغاب ثم عاد في السنة الثانية إلى بغداد ، فلقيته في عرض الطّريق مرة واحدة ، ورأيت طباعه للمعرفة القديمة جاحدة ، فما شئت ماشيته ، وجادلته في شيء من العلوم وماريته وفارقته ، وبعد ذلك ما رأيته « 4 » . أنشدني لنفسه من أبيات عملها :
--> ( 1 ) ترجم له الصفدي في الوافي « ج 4 ص 303 » فأوجز ما عند العماد في التعريف به ، وقدّم بعض الجمل وأخر ، وتجاوز في المختارات الشعرية عن البيت الثالث من الأبيات الفائية . ( 2 ) في « ب » : شكوكه ، ولا تتضح في « ن » . ( 3 ) في الأصول الثلاثة : يدعوا . ( 4 ) في « ب » : بعد ذلك وما رأيته .